الشيخ محمد هادي معرفة
395
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
الأمر الذي لم يرتض ابن المنير ، ومن ثمّ عقّبه بقوله : قوله : « إنّ ذلك تخييل للعظمة » سوء أدب في الإطلاق ، وبعدٌ في الإصرار ، فإنّ التخييل إنّما يستعمل في الأباطيل وما ليست له حقيقة صدق ، فإن يكن معنى ما قاله صحيحا فقد أخطأ في التعبير عنه بعبارة موهمة ، لا مدخل لها فيالأدب الشرعيّ . وسيأتي له أمثالها ممّا يوجب الأدب أن يجتنب . * * * وفي سورة الأعراف عند تفسير آية الميثاق يقول : وقوله : « أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا » « 1 » من باب التمثيل . ومعنى ذلك : أنّه نصب لهم الأدلّة على ربوبيّته ووحدانيّته ، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركّبها فيهم ، وجعلها مميّزة بين الضلالة والهُدى ، فكأنّه أشهدهم على أنفسهم وقرّرهم ، وقال لهم : ألست بربكم ، وكأنّهم قالوا : بلى أنت ربّنا ، شهدنا على أنفسنا وأقررنا بوحدانيّتك . وباب التمثيل واسع في كلام اللّه تعالى ورسوله عليه السلام وفي كلام العرب . ونظيره قوله تعالى : « إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » « 2 » ، « فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ » « 3 » . وقوله : إذ قالت الأنساع للبطن الحقِ * قدوما فآضت كالفنيق المحنق « 4 » وقوله : قالت له ريح الصبا قرقار * واختلط المعروف بالإنكار « 5 » قال الذهبيّ : ولكنّ ابن المنير السنّيّ لم يرض هذا من الزمخشريّ بطبيعة الحال ، ولذا تعقّبه بقوله : إطلاق التمثيل أحسن . وقد ورد الشرع به . أمّا إطلاق التخييل على كلام اللّه
--> ( 1 ) - . الأعراف 172 : 7 . ( 2 ) - . النحل 40 : 16 . ( 3 ) - . فصّلت 11 : 41 . ( 4 ) - . هو لأبي النجم العجليّ . والنسع - بالكسر - : حزام عريض يشدّ به وسط الدابّة وستر الهودج . والحقِ : فعل أمر ، أي التصق يا ظهر بالبطن وانضمر . وقدوما مصدر منصوب بمحذوف أو بما قبله على أنّه مفعول له . وآض يئيض : صار يصير . والفنيق : الفحل المنعم المكرم . والمحنق : المغيظ من الحنق ، وهو الغيظ . ( 5 ) - . أيضا لأبي النجم . وقرقار : اسم فعل بمعنى قرقر ، أمر السحاب لتنزيله منزلة العاقل ، أي صوّت بالرعد . والمقصود من الإنكار : المواضع غير المعروفة ، أي سوّ بين الإمكان المعهودة بالإمطار وغير المعهودة .